عانيت فى أثناء دراستى من الأدب ، فقد كان يُدّرس لنا الأدب العربى
كما تُدّرس الكيمياء و الجغرافيا – رموز و طلاسم – يصعب على الكثيرين من أمثالى
حلّ شفرتها ، أو فهم مرادها ، فضلاً عن الغوص فى أعماقها لاستخراج كنوزها و لآلئها
.
مرت سنوات و أن اتناول الأدب كوجبة دسمة عسرة الهضم تضيق بها النفس ، و
يتعرق منها الجبين ، حتى جاء اليوم الذى صارت عداوتى للأدب سافرة بعد أن كانت
مستترة ، فأمسكت بما عندى من كتب الأدب و عرضتها على من يريدها لعلى أنسى ما ألمّ بى من جحيم الأدب و عذابه .
قضيتُ سنوات أخرى أقرأ كتباً فى مناحى كثيرة إلا ما له علاقة بالأدب من
قريب أو بعيد .
ذهبت ذات يوم إلى معرض الكتاب ، تقلبت بين أجنحته اتلمس الجديد من
الكتب ، القى عليها نظرة قبل الحصول عليها ، فاستوقفنى كتاب جذبنى عنوانه ، أمسكت
به ، و قلبت صفحاته فدارت عينى فى محجرها
و كأنها وجدت صيداً ثمين ، فغبت عن من حولى وقتاً لا أدرى مقداره ، حتى انتبهت على
صوت البائع يتحدث بكلمات لم اتبينها .
ضممته إلى صدرى و ارتشفت منه رشفات عذبة و قضيت معه وقتا رائعاً حتى
وصلت الى منزلى و قد هالنى جمال نظمه و رشاقة ألفاظه و أتساق عباراته و كأن سحراً
قد بُث فى جنباته .
فكانت هذه هى بدايتى الحقيقية مع الأدب ، لكن أدب من نوع آخر ، يأخذ
بالألباب و يرتقى بالعقول .
عن كتاب وحي القلم لأديب الكبير الاستاذ مصطفى
صادق الرافعى أتحدث .
0 التعليقات
إرسال تعليق